"وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟ قلت: أنت وأنت أقلّ من واحد!"
محمود درويش
كلما مشينا خطوة إلى الأمام، على طريق تحقيق أهدافنا الوطنية؛ نعود خطوتين إلى الوراء. عام وراء عام تكبر التحديات التي تواجه شعبنا الفلسطيني، وتتعاظم، ولعلّ أخطرها هو الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد؛ كما حدث مؤخرًا في محافظة جنين، وقبلها في طولكرم وطوباس؛ حيث شهدنا ونشهد اشتباكًا داميًا بين الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وعناصر من المقاومة الفلسطينية؛ في الوقت الذي يتطلَّع فيه الشعب الفلسطيني إلى تلاحم الجهود لردّ عدوان جيش الاحتلال الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، الذي تجلّى عبر الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والمجزرة تلو المجزرة، في غزة، والاعتداء الشرس من الجيش ومن المستوطنين على القدس، وعلى الضفة الغربية، التي يلوِّح قادة سلطات الاحتلال بضرورة ضمّها وتهويدها.
*****
هبَّت بعض القوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني (مؤسسات أهلية وحقوقية)، ومن القطاع الخاص، وبعض الشخصيات المستقلة؛ لمحاولة نزع فتيل الاقتتال الداخلي، ووقف الاشتباكات المؤسفة بين أبناء الشعب الواحد - التي لا تخدم سوى أهداف الاحتلال -؛ في محاولة للحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني، والسلم الأهلي؛ لتطلق مبادرة "وفاق"، هادفة إلى وقف النزيف، واحتواء الأزمة المشتعلة، وحقن الدماء، واقتراح حلول سياسية بديلًا عن الحلول الأمنية؛ عبر وضع أسس لعلاقات بين أبناء الشعب الواحد؛ مبنية على الاحترام والتوافق على مبادئ حقوقية وقانونية؛ داعية إلى سرعة انسحاب الأجهزة الأمنية من مخيم جنين، ووقف كافة مظاهر الوجود المسلّح في محافظة جنين؛ مدينتها ومخيمها، ووقف التراشق الإعلامي، وإزالة أسباب التوتر جميعها، والشروع في حوار وطني بين القوى السياسية المختلفة، والمؤسّسات الأهلية والحقوقية والفعاليات؛ لوضع خطة عمل تهدف إلى معالجة أسباب الأزمة، لضمان الخروج منها، وصياغة ميثاق وطني، يحول دون وقوع أي اقتتال بين الإخوة، في جنين، وبقية مدن وقرى ومخيمات الوطن الفلسطيني.
وأكَّدت على حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وفقًا لما ورد في القانون الدولي الإنساني، ووفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 2649 لسنة 1970، وقرار رقم 2787، اللذان أكّدا على "شرعية كفاح الشعوب من أجل استقلالها والتحرر من السيطرة الاستعمارية والفصل العنصري والاحتلال الأجنبي، بكل الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح".
كما شدَّدت على "أهمية تطبيق القانون الفلسطيني من كافة الأطراف، والالتزام بضوابط استخدام الأسلحة النارية"، وعلى تحريم الاعتداء على المؤسّسات الرسمية، وأفراد الأمن، والممتلكات الخاصة والعامة، وضرورة التزام أجهزة الأمن بتطبيق القانون حين توقيف أي مواطن/ة، مع احترام كرامة المواطنين/ات، بالإضافة إلى ضرورة الاحتكام إلى مبدئي المساءلة والمحاسبة، التي تقضي بإجراء تحقيق شفاف في حالات إطلاق النار الدامية، التي أدّت إلى قتل مواطنين، وتقديم المتسببين فيها إلى المحاكمة.
ومما لا شكّ فيه أن تنفيذ مبادرة "وفاق"، سوف يسهم في تحقيق الوحدة الوطنية، التي لا غنى عنها؛ لمواجهة مخططات الاحتلال الهادفة إلى تركيع الشعب الفلسطيني؛ الأمر الذي يستدعي أن تساهم جميع القوى التي أطلقت المبادرة في الضغط لتنفيذها، بالإضافة إلى أهمية الضغط الشعبي الواسع والمتواصل؛ من كل من التفّ حول المبادرة، وآمن برسالتها الوطنية.
*****
كيف يمكن أن نواجه التحديات الكبرى أمامنا؛ بينما ينخر السوس جبهتنا الداخلية؟
ما نحتاجه اليوم ليس ترميمًا لما هو قائم؛ بل تغييرًا جذريًا نوعيًا، في الرؤى، والأدوات، والأساليب، وفي بنيتنا الداخلية؛ مما يجعلنا قادرين - بشكل متواز - على مواجهة التحديات الخارجية، الناتجة عن الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، الذي يجثم على أنفاس الشعب الفلسطيني، ويهدف إلى محو وجوده على أرضه، ومواجهة التحديات الداخلية، الناتجة عن تكلّس النظام السياسي الفلسطيني، ومراوحته في مكانه.
نحتاج إعادة بناء الإطار الذي يمثل أبناء الشعب الفلسطيني، في الوطن وفي الشتات؛ منظمة التحرير الفلسطينية، لتأخذ دورها السياسي، المستقلّ في مهامه عن دور السلطة الفلسطينية، ضمن الالتزام بالأنظمة الداخلية الديمقراطية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تستدعي تجديد هيئاتها التشريعية والتنفيذية.
نحتاج حوارًا مسؤولًا بين أبناء الشعب الواحد، بمكوِّناته كافة؛ للتوافق على برنامج سياسي، وتبني مشروع وطني تحرّري، ضمن تحالفات إقليمية ودولية مع القوى التي تشاركنا الرؤى والأهداف؛ ما يجعلنا قادرين على تغيير ميزان القوى لصالح قضيتنا الفلسطينية، وقادرين على هزيمة المشروع الاحتلالي الاستعماري الاستيطاني، وتحقيق الاستقلال الوطني.