أجمل من رضوى: باقية في الذاكرة الشعبية الجماعية

د. فيحاء قاسم عبد الهادي

أجمل من رضوى،
هل كانت تودع أسرتها وأصدقاءها ومحبيها حين كتبت: “أثقل من رضوى”؟!

رحلت رضوى؟!
هل رحلت حقاً من أعلنت أنها من أسرة النمل/ من حزب قشة الغريق/ من حزب العناد؟! من لم تقبل الهزيمة يوما؟!
هل ترحل من تركت إرثاً كالإرث الأدبي والفكري والإنساني الذي تركته رضوى؟!
*****
لم تدَّع، ولم تنافق، ولم ترغب يوماً في شهرة زائفة، أو سلطة زائلة. بابتسامة عذبة؛ طالما قابلت عائلتها وأصدقاءها وطلابها ورفاق مشوارها الكفاحي، وبمبدئية كحد السيف؛ طالما خاضت معارك فكرية وثقافية وسياسية، في مواجهة مع العديد من المدَّعين والمفسدين والمطبِعين والمنافقين؛ غير عابئة بالنتائج.
أخلصت لفكرها الإنساني منذ مطلع شبابها؛ حين اختارت رفيقها، وحين اختارت طريقها الأدبي والسياسي والإنساني، وحين انتهجت حياة بسيطة وجميلة في آن.
نذرت نفسها لنهر الدلتا ولحبِّ فلسطيني متعب (يا رضوى/ يا ذات الوجه المنذور لنهر الدلتا ولحبِّ فلسطيني متعب)، على حد تعبير رفيقها الشاعر مريد البرغوثي. وحين نذرت نفسها لمصر ولفلسطين؛ كانت تشق طريقاً وعراً وشائكاً وجميلاً، يربط بين محبي الحرية في العالم العربي والعالم الحر.
قدَّمت لفلسطين ولمصر وللثوار عبر العالم إرثاً غنياً وكنزاً لا يقدر بثمن. أخلصت للأدب والسياسة والحياة، وتداخلت حقول المعرفة لديها؛ كأكاديمية وروائية وقصصية وناقدة ومناضلة سياسية؛ لتنتج ثماني روايات، ومجموعتين من القصص القصيرة، وسيرتين ذاتيتين، بالإضافة إلى العديد من الدراسات النقدية، التي تخللها خيط واحد، الانحياز للكادحين، والثقة اللامحدودة بإمكانياتهم. الانتصار للإنسان، وللإبداع، والمرأة الفاعلة/ الشريك، والثورة على الطغيان، والظلم، والفساد، بأشكاله المتعددة.
ولدت رضوى قبل النكبة بعامين، وتخرجت من الجامعة أثناء حرب 1967، “عشت عمري كله بين قوسين من الحروب. أو قل إنه عمر مضفور لوعي الظلم والعجز والحرب. نعم، كان الموضوع الفلسطيني الحدث الأساس في تجربتي، وتشكيل وعيي. فلسطين قضيتي بقدر ما هي قضية العديد من المثقفين المصريين. كان كتابي الأول الذي انتهيت منه قبل أن أتم الثلاثين دراسة عن أدب غسان كنفاني: “الطريق إلى الخيمة الأخرى”، تناولت الموضوع الفلسطيني جزئياً في رواية “أطياف”، وفي “قطعة من أوروبا”؛ لكنني حين شرعت في كتابة “الطنطورية”؛ أدركت أنني أكتب روايتي الفلسطينية”.
ولم تكتف د. “رضوى عاشور”، بأن تقول كلمتها من خلال الأكاديميا، والأدب؛ بل مارست عملاً سياسياً وطنياً، من خلال عضويتها في “لجنة الدفاع عن الثقافة القومية”؛ والمساهمة في تأسيس “اللجنة الوطنية لمقاومة الصهيونية في الجامعات المصرية”، وفي تأسيس لجنة “9 مارس لاستقلال الجامعة”.
*****
من خلال معرفتها الموسوعية العميقة؛ مزجت رضوى بين التاريخ والأدب والسياسة والفن؛ فأنتجت وأبدعت، وحفرت مكانة لها في الأدب العربي الإنساني،
ومن خلال شخصيتها المتواضعة المحبة الصادقة والمنتصرة للحق؛ حفرت مكاناً لها في قلوب الفلسطينيين والعرب وطلاب الحرية عبر العالم.
*****
تعود الذكريات إلى زمن جميل عشته في القاهرة، منذ عام 1979 وحتى عام 1998؛ سعدت خلاله بصداقات مصرية وفلسطينية متينة. امتزجت الهموم الفلسطينية والعربية وتداخلت وتعانقت؛ وتوهج حلم الحرية، على المستويين الخاص والعام؛ فتشاركنا الحلم والعمل والنضال الدؤوب، من أجل التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي.
جاءني صوتها دافئاً حزيناً، يوم 11 أيلول 1996؛ إثر رحيل والدتها الروحية د. “لطيفة الزيات”: “العزا رح يكون في..تعرفين مكانة فلسطين لديها. أنتظركم/ن هناك”.
كيف لا أعرف مكانة فلسطين لدى الرائدة الرائعة؛ الكاتبة والناقدة والمناضلة د. “لطيفة الزيات”؟! (مؤسسة ورئيسة “لجنة الدفاع عن الثقافة القومية”، التي تشكلت إثر اتفاقية كامب ديفيد، لتحارب التطبيع بأشكاله كافة)، والتي تربيت، كما تربّى جيل بأكمله، من مناضلي الحرية، على إنتاجها الفكري والأدبي والإنساني؟!
واليوم، في 30 تشرين الثاني 2014؛ ونحن نعرف جيداً مكانة فلسطين في قلبك رضوى، وما زال أمامنا الكثير لإنجازه، على طريق الحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم والفساد؛ سوف نفتقد بهاءك وحضورك والمزيد من إنتاجك،
أنعزي أنفسنا؟!
أنعزي الصديق مريد؟ والحبيب تميم؟
أم نعزي الفكر التقدمي الإنساني؟!

نشرت تحت: ظاهرة ثقافية/ يوم 7 كانون الأول 2014، على صفحات الأيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*