إن كنت تريد النور: حق المؤلف والأمان الإنساني

د. فيحاء قاسم عبد الهادي

“إذا امتزج النور في البيت بالظل، فاخرج من هذا البيت إلى السطح إن كنت تريد النور”. مولانا جلال الدين الرومي
*****
بالرغم من مرور ستة وستين عاماً على مصادقة معظم الدول العربية، على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وبالرغم من التغيرات السياسية التي شهدتها الدول العربية، بعد الثورة على بعض النظم الاستبدادية، والتي هدفت إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية والقانون واحترام حقوق الإنسان؛ إلا أن الدول العربية، بتفاوت، ما زالت تشهد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ورغم التقدم النسبي الذي شهدته الدول العربية في مجال الوعي الحقوقي، والسياسي، والاجتماعي والثقافي؛ إلاّ أن وضع حقوق الإنسان في العالم العربي ما زال متدنياً جداً؛ وفقاً للتقارير الدولية والعربية السنوية.
وإذا تساءلنا عن أسباب التراجع في المجال الحقوقي، رغم ازدياد التعليم، وازدياد ومنظمات حقوق الإنسان، وإذا راقبنا ميزانيات الدول العربية، وطرق إنفاقها؛ وجدنا أن الميزانيات الأكبر تنفق على حفظ الأمن، والأقل تعنى بالثقافة؛ مما يعطي مؤشراً على الموقع المتدني الذي تحتله الثقافة ويحتله الإبداع، في العالم العربي.
وطالما لا يوجد اهتمام حقيقيّ بالثقافة؛ فمن الطبيعي أن يكون الاهتمام ضعيفاً في وضع استراتيجيات ثقافية عربية، تحترم حقوق المؤلف، وتشرِّع القوانين التي تحمي الإبداع، وعلى رأسها قانون الملكية الفكرية/حقوق المؤلف.
*****
وحين نبحث عن مدى اهتمام الدول العربية بموضوع الملكية الفكرية؛ نرصد ازدياداً في الاهتمام بموضوعها، في العالم العربي، ودليل ذلك، تشريع قوانين تحمي الملكية الفكرية، في معظم الدول العربية، ثم تعديلها لاحقاً، وانضمام جميع الدول العربية إلى اتفاقيات عربية ودولية، بشأن الملكية الفكرية.
وإذا كان سنّ القوانين والتشريعات؛ أحد العلامات الهامة، التي تدلّ على الاهتمام بحقوق المبدعين/ات، وحمايتهم/ن؛ إلاّ أن الأكثر أهمية هو التعديلات المستمرة على القوانين، ثم القدرة على تطبيقها؛ الأمر الذي يعطي مصداقية للقوانين، وللدول التي تشرِّعها، ويعطي الإحساس بالأمان للمبدعين/ات، ويحفز على المزيد من الإبداع.
ويتفاوت تطبيق بند العقوبات في شدته بين دولة عربية وأخرى، إذ نشهد تقدماً في هذا المجال لدى بعض الدول العربية، بما ينسجم مع توقيعها على الاتفاقية العربية لحق المؤلف، حيث يعتبر “الاعتداء على حقوق المؤلف جريمة ينصّ التشريع الوطني على عقوبتها”.
ونأخذ مثالاً على التقدم في تطبيق بند العقوبات، في الأردن، حين نقارن بين قلة القرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا، ومحكمة التمييز، بصفتها الحقوقية والجزائية، المتعلقة بهذا الموضوع، خلال المدة 1952-1996م، وبين عدد القضايا التي تمت إحالتها إلى القضاء عام 2014. بينما نجد أربعة قرارات فقط، تخص حقوق المؤلف، بين الأعوام: 1981-1995م، وعشرة قرارات فقط، تخصّ امتيازات الاختراعات والرسوم، بين الأعوام: 1995-1989م؛ نجد أن 120 قضية تمس حقوق المؤلف، قد أحيلت إلى القضاء عام 2014، من خلال مكتب حماية حق المؤلف.
وفي نفس العام، ووفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي؛ في آب 2014، وتصريحات مدير عام المكتبة الوطنية بالأردن؛ نجد أن الأردن قد حلَّ في المرتبة 50 على الصعيد العالمي من بين 144 دولة في مجال مكافحة قرصنة البرمجيات، وجاء على المستوى العربي في المركز الرابع، بعد الامارات العربية المتحدة، وقطر، والمملكة العربية السعودية، من حيث حماية حق الملكية الفكرية.
.
*****
تشير الدلائل جميعها إلى ضعف تطبيق التشريعات الخاصة بحق المؤلف والحقوق المجاورة، في الدول العربية. وحين البحث في جذر هذه الأسباب؛ نعود إلى الواقع الثقافي العربي البائس، رغم النوايا الحسنة للدول العربية.
ما زالت الدول العربية تعاني من نقص الحرية ونقص المعرفة ونقص تمكين النوع، والتي لم تنجح في تجاوزها حتى هذا اليوم، فالحريّات تزداد تقلصاً، على المستويات كافة، وإنتاج المعرفة ما زال يراوح مكانه. وبالنسبة لتمكين المرأة، فبالرغم من تقدم وضع المرأة العربية، بالمقارنة مع القرن الماضي؛ إلاّ أن المجال الذي لم يراوح مكانه فحسب؛ بل تدهور، حسب النسب العلمية والإحصاءات، فيما يتعلق بواقع المرأة، فهو المشاركة في سوق العمل المأجور. حيث سجلت الدول العربية أكبر نسبة بطالة بين النساء في العالم: 40%، من مجموع العاطلين عن العمل، مقابل 25% من القوى العاملة، طبقاً لتقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا (الإسكوا)، الذي صدر عام 2013.
*****
وفي فلسطين؛ يعطينا قانون حقوق المؤلف في فلسطين، أكبر مثال على ارتباط القانون بموضوع غياب الحريات، فبالرغم من أن فلسطين كانت من أوائل الدول العربية التي تتبنى قانونا في هذا الشأن، وذلك في العام 1924م، أيام الانتداب البريطاني، حين صاغت قانوناً متطوراً يحمي حقوق المؤلف؛ إلاّ أن الاحتلال الإسرائيلي، كان وما زال العائق الأكبر لصياغة القانون، حيث لم تجد النيات الحسنة لوزارة الثقافة الفلسطينية، التي صاغت مجموعة قوانين لحماية حق المؤلف، عام 1994، وأجرت عليها تعديلات في العام 2000، وتمّ عرضها على المجلس التشريعي لإقرارها بالقراءة الأولى، دون المصادقة عليها؛ لأن أعمال المجلس تعطلت، بعد اعتقال مجموعة كبيرة من أعضائه، عام 2006.
وما زالت وزارة الثقافة تواصل جهودها، فقد أعدَّت عام 2012، مشروع قانون جديد متكامل؛ لتعيد طرحه على المجلس التشريعي الفلسطيني، حين يتمكن من الانعقاد، وتنتظم جلساته.
*****
بعد قراءة القوانين التي شرَّعتها معظم الدول العربية، بشأن حقوق المؤلف، ومن خلال التصديق على الاتفاقيات العربية، والدولية، ومن خلال التعديلات التي أجرتها عليها، يتبيَّن أن التشريع وحده لا يكفي، وأن القانون يحتاج إلى مؤسسات تحمي مصالح الأفراد، حتى يدافعوا عنها، كما يحتاج إلى نشر الثقافة، وإنتاج المعرفة، والانفتاح على الثقافات الأخرى، من خلال الترجمة.
نحن في أمس الحاجة إلى الإطلال على تجارب العالم، في مجال البناء المؤسسي، في ظل احتياجنا، إلى مقومات دولة عصرية ديمقراطية حرة، تنبذ العصبية القبلية، والعشائرية، وتشجّع التنافس الديمقراطي الحر، لتداول السلطة، واحترام القانون، ولا تكتفي بتشجيع الإبداع ودعمه؛ بل تهيّئ له البيئة المناسبة، حيث إطلاق حرية الرأي والتعبير؛ الأمر الذي يساهم في تقدم مجالات المعرفة كافة.

نشرت تحت: ظاهرة ثقافية/ يوم 26 تشرين الأول 2014، على صفحات الأيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*