(العربية) فدوى طوقان: الصوت الخافت والحضور البهيّ

لم تكن زيارتي لمدينة نابلس الشهر الماضي لتكتمل دون زيارة فدوى طوقان. ورغم أنني أحسست أن زيارتي لها قد تكون الأخيرة؛ إلاّ أنها فاجأتني – كما تفعل دائماً – بذاكرة حادة، وتماسك ذهنيّ، ووعي عميق. تحدّثت بصوتها الخافت عن حزنها العميق لما آلت إليه مدينة نابلس، وما تعانيه منذ اجتياح نيسان حتى اللحظة. آلمها أنها لا تستطيع الخروج من البيت؛ لترى بعينها ما تسمع بأذنها.

وفيما كانت تتحدث فدوى؛ كان شريط من الصور يمرّ أمام عيني: طفلة تستمتع بجلسات فدوى طوقان الأدبية المميزة في بيت الأسرة في نابلس، وتقلد صوتها الشعري. صبية تحفظ عن ظهر قلب قصيدة حب للشاعرة بعنوان: "أي صدفة"، وتحاول قراءتها بصوت خافت حالم. صبية تقف تحت المطر بعد احتلال العام 67م، وتردد قصيدتها:

"فلتنزل الأمطار

تطهر الهواء في مدينتي

وتغسل الجبال والسهول والهضاب

ولتنزل الأمطار

ولتنزل الأمطار".

وقفة حائرة معها "أمام الباب المغلق"، في محاولة للإجابة على أسئلة فلسفية شائكة. لقاء وعناق حار إثر قراءة قصيدة، في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988. تسمية جوقة اتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة باسم قصيدتها: عباد الشمس. كتابتها مقدمة نصوص شعرية ونثرية نشرت العام 1997م. لقاء شعري استثنائي في نابلس بعد سبع وعشرين سنة، واعتزاز بكلماتها وشهادتها في زمن عزّت فيه الكلمات الصادقة، وشحّت فيه المشاعر الدافئة. صيحتها الشعرية التي حملتها الريح الغضوب، ورددتها الضفتان: حريتي، والتي حولها  ابن يافع عبر لحنه إلى أغنية ثورية، تتناقلها حناجر الأطفال والشباب مع الحجارة.

رأيت فدوى تشق طريقها الصعب، ثم طريقها الأصعب، في مجتمع لا يعترف سوى بإنجازات الرجال، ومآثر الرجال. أمسكت بالمعول، وحفرت مكانتها بدأب ومثابرة استثنائيتين، فكانت قدوة  لأجيال من فتيات نابلس وفلسطين. لم تستخدم السياسة وسيلة لبلوغ مكانة ما، ولم تفتعل لكتابة القصيدة السياسية، واكتساب جمهور أوسع. كتبت عمّا تعرف، ولم تكتب عمّا لا تعرف، وأخلصت للثقافة والمعرفة، فأخلصت لها الثقافة والمعرفة.    

تحدثت عن معاناتها الخاصّة منذ مرضها الأخير؛ حيث إنها لم تعد تقوى على الحركة إلاّ من خلال كرسيها المتحرك، وبمساعدة الأقارب. وحين سألناها عن آخر قصائدها؛ قرأت لحنها الأخير:

"ربي لا تجعلني عبئاً

تستثقله كل الأجيال

أنتظر بلوغي أرض الصمت

أنتظر الموت

طالت دربي يا ربي

قصرها واختصر المشوار

يوجعني الحكم الصهيوني

وأوامر منع التجوال

يوجعني لا بل يقتلني

في وطني قتل الأطفال".

لحظة اشتداد المرض على فدوى؛ خلع الموت حذاءه وانتظر على عتبة الباب، بعد أن استصدر إذناً بالتجول في البلد المحكومة بمنع التجوال، وحين نادته فدوى مبتهلة إلى الله أن يرفق بها؛ دخل واصطحبها معه حيث الراحة الأبدية.

لطالما تمنت فدوى أن تموت في بلدها، وتدفن فيها. لقد رأت نفسها تنبت ثانية: زهرة يقطفها طفل من فلسطين، ورأيناها: زهرة أبدية الروعة سوف نمسك بها أبد الدهر.

"كفاني أموت عليها

وأدفن فيها

وتحت ثراها أذوب وأفنى

وأبعث عشباً على أرضها

وأبعث زهرة

تعيث بها كفّ طفل نمته بلادي

كفاني أظل بحضن بلادي

تراباً وعشباً وزهرا".

سكنت روحك فدوى؛ لكن حرفك لم يستكن، وكيف يمكن أن يستكين؟!

كلماتك حانية وجميلة وأنيقة؛ لكنها حادة كالسيف، قادرة على خلق عشرات من المقاومين: رجالاً ونساءً؛ لا على خلق عشرة من رجال المقاومة فقط، كما عبر موشي ديان.

 نستلّ خيوط الحرية من قصائدك، ونشرعها في وجه المحتل ووجه الموت ووجه التخلف. نستلهم صوتك الخافت وحضورك البهيّ في إعادة تشكيل ثقافتنا: ثقافة لا تخشى الاختلاف، ولا تخشى المجابهة، وتحارب الجهل والتكلس، وتسعى بدأب ومثابرة وعمل جاد لتحقيق الذات والانتصار للهدف.   

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*