تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عصام حمدي الحسيني : باقية في ذاكرة الشعب الجماعية

حين قرأت نعي الرائدة، عصام حمدي الحسيني، في الصحف الفلسطينية، في السادس من كانون الثاني، ولم أر سوى نعي أهل الفقيدة الكبيرة لها؛ تساءلت عن معنى إغفال الشعب، والتنظيمات والمراكز النسوية، لذكرها وإبراز دورها الطليعي! هل يعزى ذلك إلى هموم الشعب الثقيلة، أم لإنكار دور النساء في صنع تاريخ الشعوب، أم لكون الراحلة لم تنتم لتنظيم سياسي، ينصفها وينصف دورها؟!

ورغم أن التاريخ المدون، قد ذكر بعض الأسماء، لنساء شاركن في العمل السياسي فترة الأربعينات؛ إلا أن التاريخ الشفوي، يزودنا بأسماء لنساء عديدات، شاركن في العمل السياسي بشكل فاعل في تلك الفترة، واستقرين في ذاكرة الشعب الجماعية. من بين هذه الأسماء: المناضلة عصام حمدي الحسيني.

كان الكشف عن النساء، في الذاكرة الشعبية الجماعية، أحد الأهداف الذي توخاها مشروع التأريخ الشفوي، الذي بادرت إلى تنفيذه وزارة المرأة ( إدارة المرأة/ وزارة التخطيط- سابقاً)، والذي اشتمل على الفترة السياسية، منذ الثلاثينات حتى أواسط الستينات.

تحدث بعض الرواة عن فتور في عمل المرأة السياسي، فترة الأربعينات، وتركيز على العمل الاجتماعي- الخيري؛ لكن تقصي أدوار المرأة، والغوص بعيداً في ذاكرة الرواة، وإعادة تعريف العمل السياسي، وإلغاء المساحة ما بين العام والخاص؛ كل هذه العوامل أدت إلى الكشف عن أدوار متعددة هامة؛ لعبتها النساء في تلك الفترة. كما أدى ذلك إلى قراءة شهادة الرواة دون الاستناد بالضرورة، إلى الأحكام التي يصدرونها. وهذا ما يتيحه منهج التاريخ الشفوي من وجهة نظر النساء.

اهتمت المرأة الفلسطينية، في تلك الفترة السياسية، بالعمل الثقافي التربوي، وارتبط هذا العمل بالعمل الاجتماعي، كما ارتبط العمل الثقافي بالعمل السياسي، بشكله غير المباشر. وتعطي شهادة الراوية عصام الحسيني، دليلاً آخر على العمل السياسي غير المباشر، الذي اضطرت النساء إلى اتباعه؛ وصولاً إلى أهدافهن السياسية.

وقد تميزت فترة الأربعينات بنشاط ثقافي إبداعي، قام بتأثير تنويري في المجتمع، وأثار حركة جدل لم تعهدها الحقبة الزمنية. ولم يكن هذا النشاط منعزلاً بأي شكل من الأشكال عن العمل السياسي؛ كان نشاطاً تحريضياً اتخذ أدوات فنية كالشعر، والتمثيل، والرقصات، والبرنامج الإذاعي، وكتابة المقالة في الصحف، بالإضافة إلى الكتابة المسرحية، حيث كتبت عصام الحسيني العام 1948م، مسرحية بعنوان “جهاد فلسطين”، ومثلت العام 1950م.

 وبالإضافة إلى النشاط الثقافي التنويري، ساهمت الرائدة عصام الحسيني، في العمل الاجتماعي السياسي المنظم، من خلال جمعية التقدم النسائي، التي كان أساس عملها سياسياً اجتماعياً وليس خيرياً؛ كما أكدت الروايات التي تناولت تكوين هذه الجمعية ودورها. وتأتي شهادة مؤسسة الجمعية، الراوية عصام الحسيني، لتتحدث عن ظروف إنشاء الجمعية، وتؤرخ للجمعيات النسوية في غزة في الوقت ذاته:

“منذ أوائل الأربعينات، بدأت السيدات في غزة ،تتحرك لأجل الحركة النسائية. طبعا اللواتي يعملن في التعليم، كان ممنوعاً أيام الانتداب أن يعملوا في المسائل العامة، لذلك سيدات المجتمع شكلوا جمعية، الجمعية الأولى شكلتها السيدة: ام عصام الشوا تحت اسم: جمعية النهضة النسائية، وكانت السكرتير عندها أو أمينة السر اسمها السيدة ترزي، بعده بفترة قصيرة تشكلت جمعية أخرى، هي فرع للاتحاد النسائي المعروف في فلسطين، وشكلتها السيدة أم الطاهر السيباسي، سنية السيباسي، وكانت أمينة السر أو السكرتير اللي هي السيدة: ميري الطويل، حرم شفيق ترزي، بعدها بفترة قصيرة سنتين أو ثلاثة يعني في 48 وعندما أنهي الانتداب، بدأنا نشاطنا كما ذكرت الموظفات، صار بالإمكان يتحركوا، بدأنا نشاطنا العمل في مستشفي الميدان، وبعدها بفترة، شكلنا جمعية التقدم النسائي”.

وأوضحت الراوية سبب تسمية الجمعية بالتقدم النسائي، حيث ربطت ما بين الاسم والتقدم، وكان لا بد لتجسيد الاسم، الواضح في ذهن مؤسسات الجمعية؛ إقامة نشاطات تؤدي إلى التقدم، وتبني له، والتي لا بد أن تختلف عن النشاطات الخيرية بالضرورة:

“جمعية التقدم النسائي طبعا ما دامت تعني بالتقدم، تقدم المرأة، بدأت بنشاطات تختلف عن النشاطات الخيرية: المعارض، كانت تعمل معارض، وكانت تعمل ندوات اجتماعات خطابات محاضرات، ثم حفلات مختلفة على أنواعها، حتى المسرحيات مثلت، كان لها نشاط عام في كل النواحي الاجتماعية، تشترك في الاحتفالات العامة، تشترك حتى انه هذه الجمعية أو بعض أعضائها، بدا السفور عن يدهم في سنة الخمسين. أنا ترأست الجمعية بطبيعة الحال عن طريق الانتخابات”.

 

*****

حين ندقق في كلام الراوية نلحظ وعياً عميقاً لمفهوم العمل السياسي: يتضافر الاجتماعي والتربوي الثقافي مع العمل السياسي بشكل متين؛ حيث يؤدي كل من هذه الحقول دوره الخاص، بالإضافة إلى تأثره واستفادته من الحقول الأخرى.

عصام حمدي الحسيني، سوف تبقى سيرتك نبراساً لنساء فلسطين، وسوف تحتل قلوب الشعب، عوضاً عن صحفه ومجلاته.