"التاريخ الشفوي يعيد بناء التاريخ، كمنصة لنشاط الضمير". د. مي صيقلي
ما الذي يضيفه التاريخ الشفوي إلى التاريخ المكتوب؟ وما الذي جعل التاريخ الشفوي منهجًا علميًا هامًا لكتابة التاريخ الاجتماعي للشعوب كافة، وللشعوب المستعمرة خاصة؟ وكيف يعيد التاريخ الشفوي بناء التاريخ، ويصبح منصة لنشاط الضمير؟
يرحل من عاصروا مراحل تاريخية مفصلية، وكانوا شهودًا على أحداثها؛ مما يوجب توثيق شهاداتهم.
وفلسطينيًا؛ يصبح توثيق هذه الشهادات، وخاصة منذ النكبة الأولى؛ أولوية وطنية قصوى.
تتيح الشهادات الشفوية لمن ساهموا/ساهمن في صناعة تاريخ بلادهم/ن؛ المساهمة في إعادة بنائه، عبر الذاكرة الحية، في مواجهة محاولات طمس، أو تشويه، أو ليِّ عنق بعض الحقائق والأحداث؛ لتناسب من يحتكرون كتابة التاريخ؛ ممن هم في مراكز القوة والسلطة. وكما تساهم الشهادات الشفوية في إضافة بعض ما كان منسيًا، أو مطموسًا من التاريخ المكتوب؛ تؤكِّد حينًا على ما بعض ما جاء فيه؛ عبر الوثائق والأوراق الشخصية، وتصِّحح حينًا بعض ما احتوى من وقائع وأحداث وأسماء اعلام.
*****
لا يهتم التاريخ الشفوي بالأحداث الكبرى فقط؛ بل يهتم بالإضاءة على الأحداث كلها، وبالإضاءة على الشخصيات المؤثِّرة في مجتمعاتها، خاصة المنسيّ والمهمّش والمظلوم منها.
ضمن هذه الرؤية؛ صدر مؤخرًا كتاب عن "مؤسسة الشهيد ظافر المصري"، بعنوان: "الشهيد ظافر المصري: الحاضر الغائب"، الذي اعتمد على مقابلات قامت بها باحثات "الرواة للدراسات والأبحاث"؛ بهدف إنجاز دراسة موضوعية، عن حياة الشهيد، والمرحلة التاريخية التي عاشها، عبر منهج التاريخ الشفوي.
أرّخت المقابلات لمسيرة حياته، وللخدمات الوطنية التي قدّمها لبلده؛ مما يساهم في إنصاف "ظافر المصري"؛ الفلسطيني النبيل؛ الذي اغتيل ظلماً.
مكَّن اتّباع منهج التاريخ الشفوي، من الإطلالة على أهم سمات شخصيته؛ عبر شهادات بعض المعاصرين؛ من الزملاء، أو العائلة، أو وممن عملوا معه، ضمن غرفة تجارة وصناعة نابلس (18/1/1973-2/3/1986)، أو في بلدية نابلس، حين كان نائبًا لرئيس البلدية (1976-1982)، أو حين ترأس البلدية (كانون الأول 1985-2/3/1986)، أو ممن شارك معه في تأسيس العديد من المؤسّسات المجتمعية.
كشفت الشهادات صفاته الإنسانية المتميِّزة، وإيمانه بالتعددية الثقافية، واحترامه للناس دون تمييز، بالإضافة إلى تقدّميته، التي تجلَّت بموقفه تجاه المرأة، التي تعامل معها باحترام وندِّيّة.
ترأّس "ظافر المصري" "غرفة تجارة وصناعة نابلس" عبر الانتخاب (1973-1986)، وعمل على تطوير وتنشيط التجارة والصناعة، ورفع كفاءة العديد من التجار، وتخفيف العبء الضريبي عنهم، وتكريس استخدام التكنولوجيا، بالإضافة إلى الاهتمام بالتعليم والثقافة، حيث ساعد العديد ممن يعانون ماديًا على استكمال دراستهم، ودعم مكتبة نابلس بكتب جديدة، وقام بتوسعة مبنى البلدية.
أحسّ ظافر بنبض الناس؛ فأحبّوه. خطّط لتوفير كل ما يخدم البلد، ويدعم صمودها، ونسج علاقات وطيدة مع أهلها؛ الأمر الذي مكّنه من حلّ أي خلاف بينهم، وساهم في انتخابه نائباً لرئيس بلدية نابلس عام 1976، وكان رئيس البلدية المناضل "بسام الشكعة"، ونائب الرئيس الشهيد "ظافر المصري"، يداً واحدة لخدمة نابلس. وبسبب الدور الوطني للمجلس البلدي؛ حاول الاحتلال إنهاء هذا الدور، عبر محاولة اغتيال رئيس البلدية، عام 1980.
فشلت محاولة الاغتيال؛ لكنها أدَّت إلى بتر قدمي المناضل "بسام الشكعة". وبنهاية عام 1981 وحتى 1985؛ قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتعيين ضباط إسرائيليين لإدارة شؤون البلدية، وعانت نابلس الكثير؛ الأمر الذي دفع أهلها إلى الضغط على ظافر؛ نائب رئيس البلدية المنتخب، ورئيس الغرفة التجارية المنتخب؛ إلى قبول منصب رئيس البلدية.
وتحت إلحاح أهالي نابلس، وإلحاح قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتنسيق مع الحكومة الأردنية؛ قرّر قبول الموقع، واقترح ظافر حلاً قانونياً؛ بالاستناد إلى قانون البلديات الأردني لعام 1955، الذي يقضي بتسلم هيئة محلية منتخبة المجلس البلدي مؤقتاً، إلى حين إجراء انتخابات.
لذلك تمّ انتداب كامل الهيئة الإدارية لغرفة التجارة والصناعة لإدارة البلدية، وتكوين مجلس بلدي لمدة سنتين، حتى يتمّ إجراء انتخابات جديدة. استحسن الاقتراح كل من أهالي نابلس، وأعضاء الغرفة التجارية، وقوى سياسية، حيث اعتبروا أن ظافر بقبوله الموقع؛ عرَّب البلديّة، وحمى البلد من الانهيار الاقتصادي، وحرَّرها من الإدارة العسكرية الإسرائيلية؛ وهذا ما دعى الناس إلى حمله على الأكتاف، لاستلام إدارة البلدية.
آمن "ظافر المصري" بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتصدّى مع أعضاء غرفة تجارة وصناعة نابلس، ومع مجلس بلدية نابلس، لكل محاولة للبحث عن قيادة بديلة لمنظمة لتحرير الفلسطينية. عبَّر عن التزامه، ضمن حوار مع مجلة "المجلة"، في شباط 1986: "نلتزم بأن المنظمة هي القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، وبالتالي فإنها الوحيدة المفوَّضة باتخاذ القرارات اللازمة. أنا مع منظمة التحرير، ورأيي من رأيها لأنها هي صاحبة القرار. ولا اؤمن ببديل من منظمة التحرير".
ورغم مواقفه المبدئية الوطنية؛ اغتيل "ظافر المصري"، يوم 2 آذار 1986.
كان المستفيد الوحيد من اغتياله هو الاحتلال الإسرائيلي، كما عبَّر عن ذلك "بسام الشكعه"، وكما عبَّرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كلَّفت ظافر بقبول رئاسة البلدية.
شيَّعت نابلس جثمان الشهيد بالدموع، وأجمع أبناء المدينة أن جنازته كانت أكبر جنازة تشهدها البلد، بعد جنازة الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر". تحوّلت الجنازة إلى مظاهرة شعبية، ضد الاحتلال الإسرائيلي، رُفعت فيها الأعلام الفلسطينية، ورايات سوداء، وهتف المشاركون: "بالروح بالدم نفديك يا شهيد".
اعتبرت نابلس أن فقدان "ظافر المصري" كان خسارة كبيرة لبلده، ووطنه، واعتبرته حركة فتح شهيدًا من شهدائها، وأدانت منظمة التحرير الفلسطينية جريمة الاغتيال؛ الأمر الذي رسَّخ مكانته في ذاكرة الشعب الفلسطيني، عبر الأجيال.
*****
أعتقد أن هناك ضرورة قصوى لأن نقف وقفة مطوّلة نقدية، أمام مسيرة الشعب الفلسطيني الكفاحية الطويلة، لنحدِّد أين أصبنا وأين أخطأنا! ما أصبنا لكي نبني عليه، وما أخطأنا، لكي نصوِّبه، وأن نرسي ثقافة الحوار لا السلاح، حين بروز خلاف سياسي. لا يضيرنا أن نعترف بأخطائنا؛ بل يرفعنا في عيون شعبنا، وفي عيون الشعوب التي تناضل من أجل تحقيق الحرية والعدالة والتغيير الاجتماعي.